أبي حيان التوحيدي
276
المقابسات
من حديث النفس ، لا يخلو من ذكره بالى وقلبي ، ولا ينصرف عن مناغاته سرى وجهرى . على أنه لا صورة له عندي ولا عيار ولا تخيل . ولكن أبت علياؤه إلا شعورا به ، ووجدانا له ، وإعرابا عنه ، وإيماء نحوه ؟ فقال أبو سليمان : هذا خبر عن محل رفيع في الاستنارة ، وشأن عجيب في حصول الطهارة ، واتصال السفارة . وقد يظن من لا شرب له من هذه العين أن هذا وسواس يغلب من جهة المزاج إذا انحرف ، والاعتدال إذا فقد ، وليس كذلك ، بل يوشك أن يكون مصطفى الغاية المتمناة ، والنهاية المتوخاة لأن الوالدة يلحظ منها المبدأ الحسى فيعشق لذلك . ومن سجايا النفس الفاضلة ، ومن عادة الفطرة النقية والطينة الحرة ، أن يكون المبدأ ملحوظا فيها وعندها . وهذا كله للشعور بالمبدأ الذي هو الأول بالاطلاق ، مع أحوال تتناصر وتتشابه في خلال هذه الفكرة ، تتعلل بها النفس تعللا مؤنسا مطربا ودافعا للوقت موجبا قيل له : فلم لم تكن المنزلة دون الام ؟ فقال : الأم شأنها في الحس أعظم ، وتدبيرها في المباشرة أظهر ؛ وشفقتها بحسب ضعف قوتها أكثر ، والأب هو الفاعل الحسى أيضا ، ولكن لا مباشرة له متصلة ، ولا ولاية له متمادية . وإنما هو أول فقط ؛ والأم حاملة واضعة ، وفاطمة ومرضعة ، وحاضنة ومربية . فالكلفه عليها أغلظ وحسها للولد آلف ، وهو بها أشغف ثم قال : وأما تخيل الموت فلأن النفس تلحظ المعاد وتنزع إليه وتتقلب نحوه ، لان المعاد هو المحيط الذي منه بدأ وإليه يجب أن يكون المنتهى ؛ ولاستعجام الحال في الثاني ما فتىء قلبه في الفكر فيه ، فيعتريه السهر الشديد والفكرة الغالبة ، نفورا من الشقاء وتحسرا على ما يكاد يقرب من الخير ؛ ولا سبيل للنفس إلى هذه العاقبة إلا بتخلية البدن الذي هو السور المانع